السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
635
مصنفات مير داماد
بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد كلّه للّه ربّ العالمين ، وصلواته على سيّدنا محمد وآله الطاهرين . كنت ذات يوم من ايّام شهرنا هذا ، وقد كان يوم الجمعة ، سادس عشر شهر رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، شعبان المكرّم ، لعام ثلاث وعشرين وألف من هجرته المقدّسة ، في بعض خلواتى ، أذكر ربّى في تضاعيف أذكارى وأورادى ، باسمه « الغنىّ » فأكرّز : « يا غنيّ يا مغني » مشدوها بذلك عن كلّ شيء إلّا عن التّوغّل في حريم سرّه ، والانمحاء في شعاع نوره . وكأنّ خاطفة قدسيّة قد ابتدرت إلى ، فاجتذبتنى من الوكر الجسمانيّ ، ففككت حلق شبكة الحسّ ، وحللت عقد حبالة الطّبيعة ، وأخذت أطير بجناح الرّوع في جوّ ملكوت الحقيقة . وكأنّى قد خلعت بدني ، ورفضت عدنى ، ومقوت خلدى ، ونضوت جسدي ، وطويت إقليم الزّمان ، وصرت إلى عالم الدّهر . فإذا أنا بمصر الوجود بجماجم أمم النّظام الجملىّ من الإبداعيّات والتكوينيّات ، والإلهيّات والطبيعيّات ، والقدسيّات والهيولانيّات ، والدّهريّات والزّمانيّات ، وأقوام الكفر والإيمان ، وأرهاط الجاهليّة والإسلام ، من الدّارجين والدّرجات ، والغابرين والغابرات ، والسّافلين والسّالفات ، والعاقبين والعاقبات ، في الآزال والآباد ، وبالجملة ، آحاد ومجامع الإمكان ، وذوات عوالم الأكوان ، بقضّها وقضيضها ، وصغيرها وكبيرها ، بأثباتها وبأبئادها ، حاليّاتها وإنيّاتها . وإذ الجميع زفّة زفّة ، وزمرة زمرة ، بحزبهم قاطعة معا ، مولّون وجوه ماهيّاتهم شطر بابه ، سبحانه ، شاخصون بأبصار إنّياتهم تلقاء جنابه ، جلّ سلطانه ، من حيث هم يعلمون ، وهم جميعا بألسنة فقر ذواتهم الفاقرة ، وألسن فاقة هويّاتهم الهالكة ، في ضجيج الضّراعة وصراخ الابتهال ذاكروه وراجوه ومستصرخوه ومنادوه : ب « يا غنيّ يا مغنى » ، من حيث هم لا يشعرون . فطفت ، في تلك الضّجّة العقليّة والصّرخة الغيبيّة أخرّ مغشيّا على ، وكدت من شدّة الوله والدّهش أنسى جوهر ذاتي العاقلة ، وأغيب عن بصر نفسي المجرّدة ، وأهاجر ساهرة أرض الكون ، وأخرج من صقع قطر الوجود رأسا ، إذ قد ودّعتنى تلك